د نبيل القرشي يكشف أسرار طب الأسرة في السعودية ويطالب بتفعيل دورها

يعد طب الأسرة أحد أهم التخصصات التي تهتم بالرعاية الصحية الشاملة لجميع أفراد الأسرة سواء كانوا أطفالاً أو كباراً بالغين

د نبيل القرشي يكشف أسرار طب الأسرة في السعودية ويطالب بتفعيل دورها

في هذا الحوار، نطرح على الدكتور نبيل القرشي (أستاذ طب الأسرة والمجتمع كلية الطب جامعة الدمام ورئيس المنظمة العالمية لأطباء الأسرة منطقة الشرق حوض الأبيض المتوسط) أسئلة تدور حول طب الأسرة، لنستوضح منه كيف كانت التجربة الغربية لهذا التخصص، ولماذا نجحوا في وقت لا نزال فيه دون الحد المطلوب.. وما هو هذا التخصص؟ ومن المسؤول عن الرعاية الأولية لصحتنا.

 

دكتور نبيل أهلاً بك في موقع صحة أون لاين، بداية هل يمكن أن تقدم لنا توصيف سهل ومبسط عن طب الأسرة؟

يعد طب الأسرة أحد أهم التخصصات التي تهتم بالرعاية الصحية الشاملة لجميع أفراد الأسرة سواء كانوا أطفالاً أو كباراً بالغين أو حتى مسنين من النساء أو الرجال، حيث يهتم هذا التخصص بالجوانب الصحية المختلفة، سواء كانت نفسية أو اجتماعية وغيرها.

ويقوم تخصص طب الأسرة على مبدأ أساسي وهو الوقاية من مختلف الأمراض، من خلال الاكتشاف المبكر للمرض، وعلاج الأمراض مبكراً، ثم المشاركة بعلاجها مع الأطباء المتخصصين الآخرين.

كذلك يعنى طب الأسر بتقديم برامج التأهيل الطبي الأساسية، والتنسيق مع الجهات التي تؤهل المرضى. بمعنى أن هناك طبيب يعمل إلى جانب فريق من الأطباء المتخصصين، وذلك بغية حفظ صحة الإنسان على مدار حياته كاملة.

 

هل هذا التخصص موجود عربياً كما هو موجود في الدول الغربية والمتقدمة؟

تخصص طب الأسرة موجود في الدول العربية، بما فيها المملكة العربية السعودية ودول الخليج، ولكنه ليس مطبقاً بالطريقة الصحيحة أو الكافية كالدول الغربية. في المقابل نرى أن هذا التخصص مطبق بصورة جيدة في الطول التي لديها برامج رعاية صحية ممتازة، واستطاعت أن تقلل نسبة الأمراض والأخطار في المجتمع.

على سبيل المثال، فإن طب الأسرة مطبق في الدول المتقدمة بصورة أكبر، وفي مقدمتها الدول الكبيرة المعروفة، مثل معظم دول أوروبا وفي أستراليا ونيوزلاندا وفي كندا واليابان وكوريا وفي كثير من الدول العالم أيضاً مثل ماليزيا التي ساتطاعت تطبيق مبدأ الرعاية الصحية بالاعتماد على طبيب الأسرة، والذي يقدم الرعاية الصحية المستمرة والشاملة لجميع أفراد الأسرة. وكلمة الشاملة تعني الوقاية والعلاج والتأهيل والتطوير.

 

من المسؤول عن تعزيز قيمة طبيب الأسرة وتأمين الرعاية الصحية الأولية للناس؟

الأصل في طب الأسرة أنه مسؤولية الدولة، وتطبيق طب الأسرة هو مسؤولية وزارة الصحة أو وزارات الصحة أو الجهات المسؤولة، لأن أهم تخصص طبي يمكن أن يحافظ على صحة الناس هو طب الأسرة. ونحن نطلق عليه اسم "مستوى" من مستويات الرعاية الصحية الأساسية، ونسميه مجازاً "الرعاية الأولية" ولالأسف هناك خلط لدى البعض بين مفهوم الرعاية الصحية الأولية، وبين الإسعافات الأولية.

وطب الأسرة هو رعاية صحية أولية أساسية مستمرة، وأهم رعاية صحية يمكن لأي دولة أن تقدمها لمواطنيها هي هذه الرعاية، والتي فيها لا تنتظر الجهات المسؤولة الإصابة بالأمراض في المجتمع، بل تقدم الرعاية الصحية الأولية التي تجنب الناس هذه الأمراض.

فمسؤولية العثور على طبيب أسرة ليست مسؤولية أفراد المجتمع، بل هي مسؤولية الدولة، التي يجب عليها أن تقوم بتوزيع الناس على أطباء الصحة.

وحسب الإحصائيات العالمية، فإنه يجب أن يكون أكثر من 50% من إجمالي الأطباء الموجودين في أي دولة هم أطباء أسرة.

ودولنا العربية كلها بلا استثناء مع كل أسف، لم يتجاوز نسبة الأطباء المتخصصين في طب الأسرة فيها حتى 1 إلى 2%، وهذه كارثة كبيرة.

أما العاملين في مجال الرعاية الصحية الأولية الأساسية فلم يتجاوزا نسبة الـ 20% من إجمالي عدد العاملين في المجال الصحي، وهذه يعتبر أقل من الخط الأدنى، ويتم تصنيف تفوق الدول طبياً على أساس عدد الأطباء والعاملين في مجال الرعاية الصحية الأولية أو طب الأسرة.

وهناك 3 مستويات للتصنيف عالمياً، فالدول التي فيها عدد أطباء أسرة من 50% فما فق تصنيف بدرجة ممتازة، وما بين 30 – 50% تصنيف على أنها متوسطة، أما أقل من 30% فهي ضعيفة. وهذا يعني أننا في دولنا العربية فشلنا في تحقيق الحد الأدنى من الاهتمام بطب الأسرة.

لذلك على وزارات الصحة أن تضع على عاتقها مسؤولية تقديم الرعاية الصحية الأساسية للجميع، من خلال طبيب الأسرة والفريق العامل معه، وليس من خلال المستشفيات وزيادة عدد الأسرّة، على العكس، الاهتمام بطب الأسرة يؤدي إلى خفض عدد المستشفيات وخفض عدد الأسرة فيها، لأن حاجة الناس للمستشفيات والتنويم والأسرة تصبح أقل.

إذ كلما ارتفع مستوى الرعاية الصحية والوقاية والسلامة، كلما انخفضت الحاجة للمستشفيات والأسرّة.

 

بحال لم توفر وزارة الصحة أطباء أسرة للناس، أين تقع مسؤولية الأفراد هنا؟

طالما أن وزارة الصحة لا تهتم بالقدر الكافي بطبيب الأسرة، فيجب هنا على الأفراد أن يحاولوا قدر المستطاع الوصول إلى طبيب أسرة خاص، يتم الاتفاق معه ليكون طبيباً للأسرة بشكل عام.

رغم أن هذه ليست مسؤولية الأفراد، إذ على وزارة الصحة أن تتصدى لهذه المشكلة، وتعطيها الأولوية، وأعتقد أن أي وزير يريد أن يؤدي عمله بشكل أمثل، أن يعمل على توفير الرعاية الصحية للجميع، وأن يعطيها أولوية، فالدول التي سبقتنا طبياً اهتمت بطب الأسرة بشكل كبير، ليس فقط ذلك، بل أنعشت اقتصادها، ففي بريطانيا مثلاً، 40% من العاملين في المجال الصحي يعملوان في خدمات الرعاية الصحية والاجتماعية، لأن هذه الرعاية أهم ما يمكن أن تقدمه وزارة الصحة لشعبها.

 

هل يوجد تغطية كافية لطب الأسرة والرعاية الصحية الأولية لدى شركات التأمين محلياً؟

هذه نقطة هامة، وهي شركات التأمين والرعاية الصحية الأساسية. ومن هنا أنا أهيب الجهات الحكومية أولاً، ثم شركات التأمين، لفتح المجال أمام نوع جديد من التأمين الصحي، وهو التأمين الذي يغطي الرعاية الصحية الأولية.

للأسف، جميعنا يعرف أن شركات التأمين العاملية في المملكة هدفها ربحي 100%، وتحاول قدر المستطاع أن تزيد عدد المسجلين فيها، وهي لم تع بعد أن الرعاية الصحي هي كنز لها، فضلاً عن تأمين خدمة رعاية صحية حقيقية للناس.

فلو فكرت شركات التأمين في إعداد منتج جديد اسمه "طبيب الأسرة" وبدأت بالتعاقد مع عيادات طب الأسرة، وشجعت الأطباء أن يتجهوا إلى طب الأسرة، لاستطاعت أن تقدم خدمة حقيقية للناس، وأن تكسب الكثير، من خلال "سلة الخدمات الصحية الأساسية" التي يقدمها طب الأسرة، وبالتالي تقلل الحاجة إلى إرسال المرضى للمستشفيات التي تستهلك معظم يوليصات التأمين، ولوفرت الكثير من الأموال، ورفعت المستوى الصحي للناس.

وأنا أتمنى من الشركات التأمين أن تنظر نظرة عقلانية إلى موضوع طب الأسرة كمصدر إيراد وخير للبلد وخير للناس.

 

هل نفهم من كلامك أنه بحال مرض أحد أفراد الأسرة فإنه يكون بذلك قد تجاوز مرحلة الرعاية الأساسية الأولية؟

لا أبداً.. لأن طبيب الأسرة إذا لم يعالج فهو إذن ليس طبيب، لأن طبيب الأسرة عليه أن يقدم العلاج الذي يحتاجه المريض، مع العلم أن 90% تقريباً من مشاكلنا الصحية يمكن أن يعالجها الطبيب العام أو طبيب الأسرة. وبحال وجد طبيب الأسرة أن الحالة تستدعي طبيب مختص فإنه يرسل المريض إلى هذا الطبيب، ويتابع معه العلاج والحالة الاجتماعية والنفسية للمريض، ويتشارك مع الطبيب المختص في تقديم العلاج الأمثل للمريض.

ولدينا خطأ في فهم كلمة "إحالة طبية" فالمقصود ليس إحالة المريض إلى طبيب آخر، وسقوط مسؤولية الطبيب الأول، على العكس، فهو يتشارك مع الطبيب المختص في العلاج والتقويم والمتابعة.

 

هذا يعني أن طبيب الأسرة مرافق للأسرة بشكل مستمر.؟

نعم تماماً، طبيب الأسرة لا يتخلى عن الأفراد الذين يتابع حالاتهم الصحية إلا بالموت أو الهجرة، والأصل أن يبقى طبيب الأسرة ملازماً للأسر التي يقدم لها الرعاية الصحية الأساسية، وربما يستمر معها 30 – 40 عاماً أو أكثر.. ولدينا أمثلة عديدة، ففي نيوزلاندا على سبيل المثال أعرف طبيباً عالج 3 أجيال لأسرة واحدة، بل أنه ولّد الجدة، والأم، والابنة، والحفيدة على مدى أكثر من 60 عاماً.

فطبيب الأسرة تتعاقد معه الحكومة لرعاية من 500 – 1000 شخص تقريباً. وعلى الدولة أن تدفع له قيمة الرعاية الصحية التي يقدمها لهذه الأسر طوال فترة عمليه ورعايته لهم.

بل إن طبيب الأسرة في عدد من الدول المتقدمة، لا يتم تحديد سن التقاعد له بسن معينة، بل يترك له خيار التقاعد في الوقت الذي يراه مناسباً. لذلك نرى أن العديد من الأطباء استطاع أن يخدم أجيالاً متعاقبة للأسرة الواحدة.

لذلك فإن طبيب الأسرة يقدم رعاية الطفولة والأمومة ويقدم رعاية الحمل، ويقدم أيضاً رعاية الأمراض المزمنة حتى السرطانية منها، بالتعاون مع طبيب آخر مختص، حيث يتابع حالة المريض في المنزل، ويتابع حالة المريض في الطوارئ، ويحل المشاكل النفسية والمشاكل الاجتماعية التي يمكن أن تطرأ، فطبيب الأسرة مهم جداً للأفراد والمجتمعات.

 

كيف تقترح أن يتم العناية بأطباء الأسرة؟

يجب أن يمنح طبيب الأسرة القدر الكافي من الرعاية، من خلال تطويره ورعايته كما يحدث في الغرب، فالدول المتقدمة لديها أمثلة ناجحة في تطبيق طب الأسرة بشكل رائع.

وليس صحيحاً أنه لا يوجد لدينا أطباء كافين في المملكة، للعلم، فإن منطقتنا العربية فيها 360 مليون نسمة، منهم 370 ألف طبيب، ولو تم توزيعهم بصورة نسبية، لكان لكل ألف نسمة طبيب، وهي نسبة جيدة عالمياً.

وفي السعودية لدينا حوالي خمسين ألف طبيب، أي طبيب لكل ألف شخص أيضاً، إذن فالمشكلة ليست في قلة الأطباء، بل في توزيعهم وتخصصهم. يجب أن يكون التخطيط أفضل بحيث يكون 50% من الأطباء لدينا لتقديم الرعاية الصحية الأولية، وأن نوجه 50% من المتخرجين من كليات الطب إلى الرعاية الطبية أو طب الأسرة، ونعطيهم مكانتهم وقيمتهم كما أعطوهم العالم.

للأسف لدينا تكدس للأطباء الذين يعملوان في المستشفيات وفي الأعمال الإدارية، فيما يتم توجيه 20% فقط منهم للرعاية الصحية الأساسية، وهؤلاء محبطين لأنهم لم يتم منح المسؤولية لهم ولا الصلاحيات التي أعطيت لنظرائهم في الغرب وفي الدول المتقدمة التي تفوقت في طب الأسرة، وبالتالي حتى ننجح في الرعاية الصحية الأولية على أساس طبيب الأسرة؛ فلا بد أن نعيد توزيع العدد، خاصة في ظل وجود أعداد كبيرة من الأطباء غير المتخصصين الموجودين في المستشفيات، فلا مانع من إعادة توجيههم بحوافز ورواتب وتحسبن أوضاع وغيرها.

أيضاً يجب أن نزيد عدد مراكز الرعاية الصحية، إذ لا يوجد عدد كاف منهم حالياً، ففي احصائية لعام 2007 ، لم يكن هناك سوى 7 أو 9 مراكز لطب الأسرة، ليس ولا أي أحد منهم تابع لوزارة الصحة، بل الأغلبية فيها تابعة للجامعات أو وزارة الدفاع أو الحرس الوطني، وقد بدأت وزارة الصحة عام 2007 بفتح مراكز التدريب للزمالة، وقد وصلت عدد المراكز الآن إلى 30 تقريباً، إلا أننا لا نزال بحاجة إلى 300 مركز على الأقل، حتى نستطيع أن نبدأ بجني نتائج إيجابية لطب.

ومن المهم أن نحفز أطباء الأسرة، ونطور مراكز الرعاية الأولية، ونوفر سلة من الخدمات الصحية والتأمينية، وأن ننفق بسخاء على هذا المستوى من مستويات الرعاية الصحية، إذ أن كل ريال ننفقه في طب الأسرة يوفر على الدولة ألف ريال، من خلال الإكتشاف المبكر للأمراضن والوقاية والحفاظ على الصحة العامة.

 

 


شارك المقال مع أصدقائك

ما هو رد فعلك؟

أحببتها شكراً أحببتها شكراً
0
أحببتها شكراً
ناقشتم مشكلتي ناقشتم مشكلتي
0
ناقشتم مشكلتي
سأجرب العلاج سأجرب العلاج
0
سأجرب العلاج
لم تعجبني لم تعجبني
0
لم تعجبني
المادة ممتعة المادة ممتعة
0
المادة ممتعة
زدتم حيرتي زدتم حيرتي
0
زدتم حيرتي
لم استفد شيء لم استفد شيء
0
لم استفد شيء

0 تعليقات

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *