هل من ميكروبات مجهرية في الفضاء الخارجي

هل من ميكروبات مجهرية في الفضاء الخارجي

1

قبل البدء، دعنيعزيزي القارئأعيد طرح السؤال (عنوان هذا التحقيق المختصربصياغة مُختلفة تحمل بين طياتها مؤشرات ذوات زوايا أكثر حدة، وتمهد لما سيتم التحدث عنه فيما بعد، والسؤال هو:

هل هناك ميكروبات تعيش في الفضاء الخارجي (Universe)، ولا تعيش على كوكب الأرض؟

2

وانطلاقًا من هذا السؤال، أرى أنه من المناسبأيضًاأن يتم طرح سؤال آخر متصل به، ومفاده:

هل هناك ميكروبات فضائية قادرة على أن تغزو كوكب الأرض وتدمر البشرية، أو أي حياة أخرى تعيش فيها (نظراً لسميتها وعدم تعرف الأجهزة المناعيةلمختلف الكائنات الحيةعليها

ولو بدأنا بالتدرج في عملية الاسترسال في طرح وتسجيل اسئلة أخرى، سنلاحظ بأن هناك الكثير من الاستفهامات الافتراضية (بمنظورها العلمي) ستنطلق من طبيعة التصور الموضوع للأبعاد التي يتميز بها عالم الأجرام الصغيرة!

ولو تأملتعزيزي القارئفي الأسباب التي تجعل الكثير من الكائنات الحية – كما سنُنَظِر أنا وأنت لها، منطلقين من المسلمات العلمية – (في الجانب الأول) غير قادرة على أن تعيش في بيئة شديدة البرودةمثلاًستعرف بأنها هي نفس الأسباب التي تجعل كائنات حية أخرى (في الجانب الآخر) قادرة على أن تعيش في تلك البيئة وتستمد القوة منها وتبقى مُتعايشة معها… (عزيزي القارئ، لا ضير في تعليق هذه النقطة، ولا ضير – ايضًافي تركها دون التمعن كثيرًا في أبعادها وخباياها العلمية – ولو مؤقتًالأنها تناقش الموروث الجيني وترتيبه، ومن ثم قابليته للإنتاج المُتمايز من العناصر المقاومة!).

ولكني وباختصار، أردت الإشارة هنا – وبشكل عام – إلى أن المتطلبات الحيوية والعناصرالفيزوكيميائيةالمهمة لحياة بعض الكائنات والتي من شأنهاأي تلك المتطلبات والعناصرتقديم سبل الحياة القوية والعيش المنافس للتحديات البيئية الموجودة في ذلك المحيط، هي في نفس الوقت محاذير حيوية وعناصر مميتة لحياة نوع آخر من الكائنات!!!

وللتوضيح (وقبل مواصلة الموضوع المرتبط بحقيقة وجود كائنات مجهرية في الفضاء!)، نذكر في هذا المجال أمثلة لبعض التحديات البيئية التي يستطيع الأنسان أن يلتمسها كمخاطر حقيقية (قد تهدد حياته ككائن من مجموعة تلك الكائنات). وتشمل هذه الأمثلة: الإشعاعات الكونية، والتركيز العالي لبعض الغازات السامة، وغير ذلك من أسباب تظهر على أنها كارثية ومميتة للجنس البشري.

وعليه (وبعد سرد النقاط التمهيدية السابقةنستطيع أن نذكر هنا المثال الآخر (والذي أعده محورًا رئيسًا في هذا التحقيق، ومتعلقًا بعلم ما لا نراه بالعين المجردة!)، وهو الجرثومة البكتيرية التي تسمىهالوبكتيريوم” (Halobacterium). وبهذا المثال بدأنا ندخل في صلب الموضوع.

حيث تعيش هذه البكتيريا في البحر الميت وتستمد القوة – فيه – من ارتفاع معدل الملوحة (والذي يصل إلى ما يعادل خمسة إلى عشرة أضعاف الملوحة الموجودة في مياه البحار الأخرى). ليس هذا فحسب، بل وتعيش سلالات من هذه البكتيرياأيضًافي أعماق، المحيطات، وتستمد القوةفي تلك الأعماق المظلمةمن الضغط العالي جدًا مقارنة بما هو موجود فوق سطح البحر.

إن تلك البيئة التي تتمتع بتركيز ملحي مرتفع (كالبحر الميتأو بضغط عالي (كأعماق المحيطاتتجعل من إمكانية الحياة فيهالمعظم الكائنات الحية الأخرى التي نعرفها (نحن!) بني البشر – شبه مستحيلة.

بل ونلاحظ أن الـ “هالوبكتيريوم” – وبكل ما تملكه من قوة في المياه المالحةتضعف حينما يتم تعريضها لوسط فيه التركيز الملحي قليل، أو ضغط منخفض يتناسب مع الحياة الاعتيادية لبقية الكائنات!، حيث تصبح فيه الكثير من بروتيناتها غير قادرة على العمل!

وانطلاقًا من الـ “هالوبكتيريوم” (والتي سندور في فلكها المجهري)، فإن العلماء تطلق العنان في تفكيرها إلى تصور امكانية ايجاد سبل للحياة خارج نطاق ما هو اعتيادي (من ظروف بيئية)؛ حيث يصل بها التفكير إلى ما هو أبعد من مجرد التعرض لتركيز ملحي عالي أو ضغط مرتفع، لتصل إلى حدود الإشعاعات الكونية (والتي قد تدمر المحتوى الجيني للكائنات الحية، خصوصاً الميكروبات).

إن الدراسات التي تجريها جامعة ماريلاند الأمريكية (بتمويل منناساوبتعاون من مؤسسة الأنظمة البيولوجية في مدينة سياتل) على الـ “هالوبكتيريومأشارت إلى أن تلك النوعية من الميكروبات لها القدرة على إصلاح حمضها النووي (DNA) أو الموروث الجينيبطريقة هندسية بارعة– عند تعرضها لظروف بيئية قاسية ومدمرة لكائنات أخرى؛ حيث أنها كانت (وكما قال رئيس الفريق العلميأدريات كيش” من جامعةماريلاند“) في كل مرة تخضع لظروف قاتلة (والتي من ضمنها تعريضها للأشعة فوق البنفسجية والجفاف وانعدام الجاذبيةتعاود ترتيب حمضها النووي بالطريقة التي كانت عليها عندما نشأت؛ علما بأن بقية الأنواع البكتيرية التي كانت تخضع لنفس التجربة تموت وتتغير معالمها تماماً.

3

لقد أدهشت هذه النوعية من البكتيريا خيال الباحثين، وجعلتهم يسألون:

عن إمكانية مقاومتها للظروف المعقدة في الفضاء الخارجي؟

وتقول الباحثةجوسلين ديورجيرو” (من نفس الفريق البحثي المذكور) بأن الـ “هالوبكتيريومتفرز إنزيمات اصلاحية للحمض النووي في سلسلة جيناتها، تسمى أدوات الإصلاح الجزيئية (molecular repair toolsقادرة على تعديل موروثها الجيني متى ما أصيب بأي ضرر.

1

ومن هنا بدأ العلماء يسألون:

هل بالإمكان الاستفادة من هذه البكتيريا في إيجاد نظام مُشابه يعمل بنفس الكفاءة عند الإنسان (أي يقوم بالتعديل التلقائي عند حدوث العطب في حال كان هناك تعرض لتلوث بيئي، أو للشيخوخة مثلاً

والسؤال أعلاه خارج نطاق تحمل البُعد الذي يناقشه هذا التحقيق (حيث أنه يحتاج لفصل كامل من البحث والتدقيق والبيانات الموثقة والحوار العلمي الجاد في ترابطه المعرفيولكنه سؤال يُطرح بطريقة بحثية احترافية (كفرضية مبدئية!) تجعل من العلماء يبحرون من خلالها بأفكارهم التنظيرية (مبدئيًا) إلى ما هو أبعد من النظام الموجود في ميكروب الـ “هالوبكتيريوم“.

وللتأكيد فقط، يجب علينا ألا نغفل ونتذكر أيضًا، بأن أصل العلوم المطبقة في عصرنا الحالي كانت في الأساس أفكار فرضية ومجموعة من النظريات؛ بل أن بداياتها ظهرت (في نظر البعض، إذا لم يكن في نظر الأغلبية!) كمجرد تصورات خيالية.

مما تقدم، تم طرح سؤال آخر (مشابه لسابقه في الطرح، مُغايرًا له في الظروف):

كيف يتم الاستفادة من تلك الأدوات الإصلاحية الجزيئية عند غزو الفضاء؟

وهل بمقدور الطب الاستفادة منها في منع الأمراض السرطانية (مثلاً، لا حصرًا

يجدر بنا القول هنا ايضًا، إن من الأمور المهمة والتي يجب أن ألفت الانتباه لها (وأنا أنتقل معك – عزيزي القارئفي خبايا هذا العلم المجهري كمتخصص في علوم الهندسة الجينيةهو أنه قد تم الحصول على الـ “هالوبكتيريومفي ترسبات ملحية يعود عمرها إلى قرابة 250 مليون سنة (وهي تقارير يصفها العلماء في نقاشهم بـالجدلية” – وهو تعبير راقي في أوساط البحوث العلمية-!).

فإذا صح هذا! فإنه سيشجع العلماء على البحث بجدية عن حياة في الفضاء، خصوصاً أن الدراسات العلمية التي قامت بها المركبتينسبريت” (Sprit) و”اوبورتشينيتي” (Opportunity) على سطح المريخ قد كشفت عن وجود بحيرات ملحية يعود عمرها لعشرات ملايين السنين، وهو ما يثير تساؤلات العلماء حول احتمال وجود ميكروبات مماثلة لـهالوبكتيريومتعيش على كوكب المريخ (أو حتى على كوكب آخر)!!!

عزيزي القارئ، لم ننتهي – أنا وأنت – بعد!… ولكننا بدأنا… وقد تكون لنا عودة في المستقبل، نفتح فيها بوابةً أخرى، ولكن من بعد آخر… نطل بها على هذا العالم المجهري، والذي حار العلماء في تفكيك معالمه الغامضة!!!


شارك المقال مع أصدقائك

ما هو رد فعلك؟

أحببتها شكراً أحببتها شكراً
0
أحببتها شكراً
ناقشتم مشكلتي ناقشتم مشكلتي
0
ناقشتم مشكلتي
سأجرب العلاج سأجرب العلاج
0
سأجرب العلاج
لم تعجبني لم تعجبني
0
لم تعجبني
المادة ممتعة المادة ممتعة
0
المادة ممتعة
زدتم حيرتي زدتم حيرتي
0
زدتم حيرتي
لم استفد شيء لم استفد شيء
0
لم استفد شيء

0 تعليقات

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *