الإرشادات النَّبوية في العلاج بالدَّواء

«نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ: الصِّحَّةُ وَالفَرَاغُ»، وقد دلَّ تخصيص رسول الهدى صلى الله عليه وسلم هاتين النعمتين بالذِّكر على عظيم فضلهما.

الإرشادات النَّبوية في العلاج بالدَّواء

إنَّ سلامة البدن وعافيته نعمة من المولى يمنُّ بها على عباده، وما أكثر نعم الله علينا وما أقلَّ عباد الله الشاكرين!

وإنَّ من جوامع كَلِم نبينا عليه صلوات من ربي وسلام قوله عن ابن عباس رضي الله عنهما: «نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ: الصِّحَّةُ وَالفَرَاغُ» (1)، وقد دلَّ تخصيص رسول الهدى صلى الله عليه وسلم هاتين النعمتين بالذِّكر على عظيم فضلهما، وكم ألِفنا نعمة الصحة، وعلى قدْر إلْفنا لنعمة المُنعم، تكون غفلتنا عنها!

يقول وهب بن منبه في معنى جميل: «رؤوس النِّعم ثلاثة؛ فأوَّلها: نعمةُ الإسلامِ التي لا تتمُّ نعمُه إلا بها، والثانية: نعمةُ العافية التي لا تطيبُ الحياةُ إلا بها، والثالثة: نعمة الغنى التي لا يتمُّ العيشُ إلا به» (2)، فعافية البدن إذن بها نعبد الله ونتقرَّب إليه ونسعى في الأرض لكسب القوت.

والإنسان يعيش في دار الدنيا بين منح ومحن، بين سعادة وفرح، وامتحانات وابتلاءات، لذلك ننعم بحلاوة العافية حينا ونتذوَّق مرارة الألم والمرض حينا آخر، ولعل مَن سُلب تاج نعمة عافية البدن وترادفت عليه الأسقام يُدرك حقَّا نعمة الصحة والمعافاة في البدن!

فنجد من نَصَبه المرض يستوصف لعلَّته ويستطبُّ لوجعه أملا في تقمُّص لباس العافية، فيقصد أحذق الأطباء ويبحث عن أحسن الدواء في رحلة البحث عن الشفاء، فالله عز وجل «إذا ابتلى أعان، فابتلى بالداء وأعان بالدواء» (3)، ومنتهى اعتقادنا أن الشافي هو الله، ولا شفاء إلا شفاؤه، ولا يرفع المرض إلا هو، ونقول مثلما قال خليل الرحمن: ﴿ الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (78) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (79) وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (80)﴾ (الشعراء:78/80).

ومع ذلك فإن الإسلام بسَط الحديث عن  الطبّ العلاجي المتمثِّل في تعاطي الدواءِ والأخذ بأسباب الشِّفاء، فعن أسامة بن شريك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «تَدَاوَوْا عِبَادَ اللَّهِ، فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ لَمْ يَضَعْ دَاءً إِلَّا وَضَعَ مَعَهُ شِفَاءً، إِلَّا الْهَرَمَ» (4).

فالمسلم يحرص على ايجاد طبيب يُحسن تشخيص حالته ويُجيد اختيار الدواء المناسب لدائه نوعا وكمّاً وتوقيتاً، فإنْ أذِن الله كان الشفاء، وإن لم يأذن الله بذلك استمَرَّ ابتلاء الرب لعبده ولن يجد المبتلى راحة البدن، فيتعهَّده السُّقم بوجود المداوي الحاذق والدواء.

 كما يعجز الطب والطبيب إذا هاجم المريضَ هادِم اللذّات، فحينها يُنشد لسان الحال:

إنّ الطَّـــبيبَ له عِـــلمُ يــدلُّ بــهِ   *****    إنْ كانَ للناسِ في الآجالِ تأخيــرُ

                 حتّى إذَا ما انقَضَتْ أيَّـامُ رِحـلتِه   *****     حـــارَ الطبيبُ وَخانَتْه العَقَاقــيرُ

كما يدور لبُّ اعتقادنا أيضا أن ما أمرنا به نبينا صلى الله عليه وسلم وما نهانا عنه في ما تعلَّق بالعلاج  -كما في غيرهصدْق وحق، علِمْنا الحكمة أو العلَّة من ذلك أو جهلناها، فنبينا كما وصفه ربنا عز وجل ﴿ وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (4)﴾ (النجم:3/4) والمسلم الحق هو الذي يأتمر بأوامر خير المرسلين ﴿ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ﴾ (الحشر:7) وعليه لا بد للمسلم من وقفات تأمُّل ثم تطبيق للطب النبوي على العوارض الصحية التي تنتابه.

ويقدِّم لنا ابن القيم فائدة جليلة في شرط الانتفاع بالطب النبوي قائلا: «وليس طبُّه صلى الله عليه وسلم كطب الأطباء، فإن طب النبي صلى الله عليه وسلم مُتيقَّن قطعي إلهي، صادر عن الوحي ومشكاة النبوة وكمال العقل، وطب غيره أكثره حدْس وظنون وتجارب، ولا يُنكر عدم انتفاع كثير من المرضى بطب النبوة فإنه إنما يُنتفع به من تلقَّاه بالقَبول واعتقاد الشِّفاء به، وكمال التلقي له بالإيمان والإذعان» (5).

2 – تعريف الدواء لغة واصطلاحا:

الدَّواءُ ممدودٌ، وهو واحد الأدْوِيَةِ، والدِّواءُ والدَّواءُ والدُّواءُ هو ما يُداوى به، يُقال: داوَيتُ العليل دَوًى إِذا عالجته بالأشفية التي تُوافِقه، والدَّوَى: المَرَضُ، ومنه يقال: دَوِيَ أي مَرِضَ (6).

أما اصطلاحا فالدَّواء في عُرْف الأطباء والصيادلة هو «مادة تستعمل في تشخيص أو معالجة الأمراض التي تُصيب الإنسان أو الحيوان أو التي تفيد في تخفيف وطأتها أو الوقاية منها»(7)، واستنادا على هذا التعريف فإن المُداواة نشأت مع الألم، والدواء مع العلَّة

3 – السُّنن التي نبَّه إليها الشرع في العلاج بالدواء وما تعلَّق به:

لقد جعل الله أسبابا هي شفاء السقيم، نبَّهنا إليها الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم، نرصدها فيما يلي:

أ. العسل:

عن ابن عباس رضي الله عنه أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الشِّفَاءُ فِي ثَلاَثَةٍ: فِي شَرْطَةِ مِحْجَمٍ، أَوْ شَرْبَةِ عَسَلٍ، أَوْ كَيَّةٍ بِنَارٍ، وَأَنَا أَنْهَى أُمَّتِي عَنِ الكَيِّ» (8)، والشاهد قوله: (شَرْبَةِ عَسَلٍ) بعد قوله: (الشِّفَاءُ فِي ثَلاَثَةٍ).

لقد أورد هذا الحديث وغيره من الأحاديث النبوية، ناهيك عن النصوص القرآنية (9)ما للعسل من فوائد على جسم الإنسان والخواص العلاجية الثَّابتة له.

وفي الطب الحديث تبيَّن من تحليل العسل أنه يحوي عناصر ثمينة أهمها: السكاكر والبروتين والمعادن والفيتامينات والخمائر والنتروجين والحوامض والزيوت الأثيرية والمواد القطرانية وغير ذلك، كما أن البكتيريا لا تعيش في العسل (10)، فسبحان من علَّم نبينا أن الشفاء قد ييسره الله بشربة عسل!

ب. الحبة السوداء:

عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إِنَّ هَذِهِ الحَبَّةَ السَّوْدَاءَ شِفَاءٌ مِنْ كُلِّ دَاءٍ، إِلَّا مِنَ السَّامِ» قُلْتُ: وَمَا السَّامُ؟ قَالَ: «المَوْتُ» (11).

والحبة السوداء الوارد ذكرها في الحديث النبوي هي نبتة عشبية من الفصيلة الحَوْذانِيَّة، تُزرع لحبِّها أو لزهرها (12).

وتُعرف الحبة السوداء (Nigella sativa) بحبة البركة والكمون الأسود والشُّونيز والبشمة، وهي أحد أكثر أنواع النباتات الطبية شيوعا، توصف نبتتها باحتوائها على أوراق مركَّبة مجزأة تجزيئا دقيقا تحمل ثمارا جرابية وبذور سوداء أما الأزهار فبيضاء اللَّون تشوبها خضرة، موطنها حوض البحر الأبض المتوسط وغرب آسيا وشمال إفريقيا يجدَّد موسمها بأواخر فصل الربيع ومن خواصها أنها تبقى قوَّتها سبع سنين (13).

وقد أثبت العلم الحديث المعجزة النبوية في العلاج بالحبة السوداء، حين توصَّل الدكتور أحمد القاضي في إحدى تجاربه الطبية ما للحبة السوداء من تأثير محفِّز على جهاز المناعة وهو الجهاز المسؤول عن الدفاع عن جسم الإنسان ضد جميع الأمراض التي تُهاجمه (14).

ج. أعواد السِّواك (الأراك):

عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لَوْلاَ أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي أَوْ عَلَى النَّاسِ لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ مَعَ كُلِّ صَلاَةٍ» (15).

إن الحديث بيِّن الدلالة على أهمية السِّواك في حياة المسلم، حتى كاد يبلغ الوجوب، وعن هذه الآثار الصحية التي نبَّهت إليها السنة النبوية، يقول ابن القيم في زاد المعاد: «في السِّواك عدة منافع: يطيِّب الفم، ويشدُّ اللثة، ويقطع البلْغم، ويجلو البصر، ويذهب بالحفَر، ويصح المعدة، ويُصفي الصوت، ويُعين على هضم الطعام، ويسهِّل مجاري الكلام، وينشِّط للقراءة، والذكر والصلاة، ويطرد النوم، ويرضي الرب، ويعجب الملائكة، ويكثر الحسنات» (16).

اسمه العلمي (Salvadora persica) وهو قِطعة من شجر الأراك، التي تعتبر أشجارا معمِّرة ارتفاعها قصير وجذعها بُني مجعَّد لا يزيد محيطه عن قدم واحد، أوراقها خضراء جلدية الملمس أزهارها بيضاء صغيرة والثمرة حسلية مستديرة تنبت في شبه الجزيرة العربية على مدار السنة (17).

ويُستخدم طبيا كعقار لبكتيريا الأسنان وقاتل للجراثيم ومانع للتسوُّس ومنظِّف جيد للأسنان، وهو أنفع وسيلة للمحافظة على الفم والأسنان عموما.

د. القُسط (العود الهندي):

عن أم قيس بنت محصن الأسدية، قالت: دخلت بابن لي على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد أعلقت عليه من العُذرة، فقال: «عَلَى مَا تَدْغَرْنَ أَوْلاَدَكُنَّ بِهَذَا العِلاَقِ، عَلَيْكُنَّ بِهَذَا العُودِ الهِنْدِيِّ، فَإِنَّ فِيهِ سَبْعَةَ أَشْفِيَةٍ، مِنْهَا ذَاتُ الجَنْبِ: يُسْعَطُ مِنَ العُذْرَةِ، وَيُلَدُّ مِنْ ذَاتِ الجَنْبِ» (18).

في الحديث نهيٌ صريح عن التداوي بالدغر لضرره، وأمرٌ باستخدام العود الهندي لعلاج العذرة بسعطه، والسَّعوط اسم الدواء يُصبُّ فِي الأَنف (19)، ولعلاج ذات الجنب بلدِّه، واللدود ما سقي الإنسان في أحد شقي الفم (20).

والقُسط (Costus) ويقال له الكُست أو العود، له أنواع: نوع أبيض خفيف عطر مائل إلى الصُّفرة وهو عربي أو ما يسمى بالبحري، والثاني أسود غليظ ويقال له الهندي (21).

ورجوعا إلى الحديث فالإعلاق هو غَمْز العُذْرة وهي اللَّهَاة بالأصبع، -واللَّهاة هي اللحمة التي في أقصى الحلقوالدَّغر هو أن تغمز حلق الولد بالإصبع فترفع ذلك الموضع وتكبسه(22)، -لذلك كانت العذرة غالبا هي التهاب اللوزتين والله أعلم– أما ذات الجنب فهي كل داء يُصيب الغشاء الرئوي (23).

هـ. الكَمْأة:

جاء في الصحيحين، عن سعيد بن زيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الكَمْأَةُ مِنَ المَنِّ، وَمَاؤُهَا شِفَاءٌ لِلْعَيْنِ» (24).

إن ماء الكمأة كما نصَّ عليه الحديث شفاء للعين، والكمأة (Terfeziaceae – the truffles ) من جنس الفطور، لا ورق لها ولا جذع، تنمو في الصحارى وتحت أشجار البلوط في باطن الأرض، منها الأسود والأبيض والأحمر.

وقد وجد في تحليلها احتواؤها على البروتينات والنشويات والسكريات والدسم ومجموعة من المعادن كما أنها غنية بالفيتامينات، وتشبه في تركيبها اللحم (25).

و. الصَّبِر:

روي أنَّ عثمان بن عفان رضي الله حدَّث عن رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، في الرجلِ «إذا اشتكى عينَيه، وهو مُحرمٌ، ضمَدَهما بالصَّبِرِ» (26).

يوضِّح لنا الحديث كيف أن الصَّبِر علاج لما قد يُصيب العين من ضر، والصَّبِر (Aloe) نبات صحراوي جذره متخشِّب، أوراقه لحمية القوام، وهي التي تحتوي على سائل الصبر، يعلوها شمراخ زهري عنقودي الأزهار، يتلوَّن باللون الأحمر أو البرتقالي، ينبت في الغابات الاستوائية وبشبه الجزيرة العربية، تؤخذ أوراقه غالبا في فصل الصيف، كما يشير الطب الحديث أن الاكتحال به يحدُّ البصر (27).

ز. العَجْوة:

أخرج الشيخان عن سعد بن أبي وقَّاص رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مَنِ اصْطَبَحَ كُلَّ يَوْمٍ تَمَرَاتٍ عَجْوَةً، لَمْ يَضُرَّهُ سُمٌّ، وَلَا سِحْرٌ ذَلِكَ اليَوْمَ إِلَى اللَّيْلِ» وَقَالَ غَيْرُهُ: «سَبْعَ تَمَرَاتٍ»» (28)، واللفظ للبخاري (29).

يبيِّن لنا كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم ما مدى تأثير العجوة على الإنسان وقائيا في دفع السم وإبطال السحر، والعجوة ضرب من التمور خصَّه الصَّادق المصدوق صلى الله عليه وسلم بالذكر في الحديث لما له من تأثير ايجابي، والتمور عموما تُعرف بقيمتها الغذائية العالية، إذ تعدُّ غذاء طبيعيا مركَّزا لأجسامنا، حتى شُبِّه التمر بالمنجم لكثرة ما يحتويه من العناصر المعدنية، ناهيك عن احتوائه على مختلف الفيتامينات والسكَّريات (30).

ح. التلبينة:

عن عائشة رضي الله عنها أنها سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إِنَّ التَّلْبِينَةَ تُجِمُّ فُؤَادَ المَرِيضِ، وَتَذْهَبُ بِبَعْضِ الحُزْنِ» (31).

يحثُّ الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث كل مريض بتناول التلبينة لأنها غذاء نافع للعليل، والتلبينة «حساء يُعمل من دقيق أَو نخالة وربما جعل فيه عسل سميت بلبينة تشبيها باللبن لبياضها ورقَّتها» (32).

ولقد أثبت الطب الحديث أن حبوب الشعير تحتوي على مشابهات فيتامين (هـ) والتي لها القدرة على خفض نسبة الكوليسترول في الدم، لذلك فإن هذه الحبوب تُعتبر علاجا للقلب ومقويَّة له ومقلِّلة لخطر إصابته بالجلطة، كما أثبتت الدراسات العلمية أن المعادن مثل البوتاسيوم والماغنيسيوم لها تأثير على بعض الموصلات العصبية التي تساعد على التخفيف من حالات الاكتئاب (33).  

ط. الكيُّ:

عن ابن عباس رضي الله أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: « الشِّفَاءُ فِي ثَلاَثَةٍ: فِي شَرْطَةِ مِحْجَمٍ، أَوْ شَرْبَةِ عَسَلٍ، أَوْ كَيَّةٍ بِنَارٍ، وَأَنَا أَنْهَى أُمَّتِي عَنِ الكَيِّ» (34)، والشَّاهد قوله عليه الصلاة والسلام: (كَيَّةٍ بِنَارٍ) بعد قوله: (الشِّفَاءُ فِي ثَلاَثَةٍ).

وعن جابر بن عبد الله قال: رُمي سعد بن معاذ في أكْحَلِه، قال: «فحسمه النبي صلى الله عليه وسلم بيده بمشقص، ثم وَرِمَتْ فحسمه الثانية» (35).

إن السنة النبوية المطهَّرة قد دلَّت على أن الكي دواء لبعض الأدواء، وإن كان لا يخلو من كراهة، فلا يُستعمل مطلقا ولا يُترك مطلقا، ولا تخرج أقوال العلماء عن حالات ثلاث (36)لمنع التداوي بالكي: استخدامه باعتباره مؤثِّرا بذاته أو أن يُستخدم على سبيل الوقاية من الدَّاء قبل وُقوعه، أو أن يُخشى من استخدامه خطرا أكبر من الداء. 

ي. الحِجامة:

عن جابر بن عبد الله أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إِنْ كَانَ فِي شَيْءٍ مِنْ أَدْوِيَتِكُمْأَوْ: يَكُونُ فِي شَيْءٍ مِنْ أَدْوِيَتِكُمْخَيْرٌ، فَفِي شَرْطَةِ مِحْجَمٍ، أَوْ شَرْبَةِ عَسَلٍ، أَوْ لَذْعَةٍ بِنَارٍ تُوَافِقُ الدَّاءَ، وَمَا أُحِبُّ أَنْ أَكْتَوِيَ» (37)، والشاهد قوله صلى الله عليه وسلم: (شَرْطَةِ مِحْجَمٍ) بعد قوله: (الشِّفَاءُ فِي ثَلاَثَةٍ).

وفي حديث أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم، وقال: «إِنَّ أَفْضَلَ مَا تَدَاوَيْتُمْ بِهِ الْحِجَامَةُ»، أو: «هُوَ مِنْ أَمْثَلِ دَوَائِكُمْ» (38).

إن نصَّ الحديثين من أبْين ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم في إرشادنا إلى فضل الحجامة في التداوي وأنها من أمثل الأدوية، والحجامة هي «جذب الدم وإخراجه من سطح الجلد عن طريق كاسات أو قارورة، وهي آلة الحجَّام توضع على الجلد فتُسبِّب تهييجا وينجذب الدم ثم يُشرط الجلد ليخرج الدم» (39)، ويتمُّ التداوي بالحجامة في مواضع كثيرة تختلف باختلاف الأعراض الظاهرة على المريض وقد ورد ذكر بعضها في السنة النبوية.

ك. استعمال الماء لعلاج الحمى:

عن عائشة، زوج النبي صلى الله عليه وسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الحُمَّى مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ، فَابْرُدُوهَا بِالْمَاءِ» (40).

في الحديث أعلاه أمر صريح بتبريد الحمى وإسكان حرارتها بالماء.

ل. ألبان الإبل وأبوالها:

عن أنس رضي الله عنه «أن ناسا من عُرَيْنة اجْتَوَوْا المدينة «فرخَّص لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأتوا إبل الصَّدقة، فيشربوا من ألبانها، وأبوالها»، فقتلوا الراعي، واسْتاقوا الذَّوْد، فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأتي بهم، فقطَّع أيديهم وأرجلهم، وسَمَرَ أعينهم، وتركهم بالحَرَّة يعضُّون الحِجارة» (41).

في الحديث ذكر لجماعة من الرجال أسلموا ودخلوا المدينة فأصابهم المرض، فأمرهم الرسول صلى الله عليه وسلم بالشُّرب من ألبان الإبل وأبوالها، مما يدل على الخصائص العلاجية للبن وبول الإبل في علاج الأمراض التي تسبِّب صفرة اللون وأمراض الاستسقاء والهزال الشديد وأمراض الجوف وغير ذلك (42).

م. الرقية الشرعية:

عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم، أنها قالت: كان إذا اشتكى رسول الله صلى الله عليه وسلم رقاه جبريل، قال:«بِاسْمِ اللهِ يُبْرِيكَ، وَمِنْ كُلِّ دَاءٍ يَشْفِيكَ، وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ، وَشَرِّ كُلِّ ذِي عَيْنٍ» (43).

وعن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أيضا، أنها قالت: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا مرض أحد من أهله نفث عليه بالمعوذات، فلما مرض مرضه الذي مات فيه، جعلت أنفث عليه وأمسحه بيد نفسه، لأنها كانت أعظم بركة من يدي» وفي رواية يحيى بن أيوب: بمعوِّذات» (44) .

في الحديثين دلالة بيِّنة على جواز الرقية واستحبابها وكونها سببا مشروعا للشِّفاء، والرُّقى في الاصطلاح الشَّرعي هي «التعويذ بالقرآن والأدعية والأذكار المشروعة لحفظ صحَّة أو دفع مرض» (45)، وتكون الرقية لحفظ الصحة قبل وقوع الداء والوقاية من المرض، ولدفع المرض كالعين والحسد والمس والصَّرع والسحر والأوجاع والآلام.

الهوامش:

(1) صحيح البخاري، باب لا عيش إلا عيش الآخرة، 8/88.

(2) ابن القيّم، عُدَّة الصابرين وذخيرة الشاكرين، ط3، 1409هـ/ 1989م، دار ابن كثير، دمشق، بيروت، مكتبة دار التراث، المدينة المنورة، المملكة العربية السعودية، 45.

(3) ابن مفلح المقدسي، الآداب الشرعية، المملكة العربية السعودية، 1419هـ / 1999م، 2/336.

(4) سنن ابن ماجه، تحقيق: شعَيب الأرنؤوط وعادل مرشد ومحمَّد كامل قره بللي وعَبد اللّطيف حرز الله، ط1، دار الرسالة العالمية، 1430هـ/2009م، باب ما أنزل الله داء إلا أنزل له شفاء، 6/ والحديث صحَّحه الشيخ الألباني في صحيح الجامع الصغير وزيادته، 1/565.

(5) ابن القيم، زاد المعاد في هدي خير العباد، ط27، مؤسسة الرسالة، بيروت، مكتبة المنار الإسلامية، الكويت، 1415هـ / 1994م،  4/33.

(6) ينظر: الأزهري، تهذيب اللغة، 14/172 والجوهري، صحاح تاج اللغة وصحاح العربية، 6/2342، وابن سيده، المحكم والمحيط الأعظم، 9/454-455، وابن منظور، لسان العرب، 14/280.

(7) الدكتور رياض رمضان العلمي، الدواء من فجر التاريخ إلى اليوم، عالم المعرفة، المجلس الوطني للثقافة، الكويت، السلسلة: 121، 09.

(8) صحيح البخاري، باب الشفاء في ثلاث، 7/123.

(9) إن أهم ما ورد في شأن العسل قوله عز وجل: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ (68) ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (69) ﴾ (النحل:68/69)

(10) ينظر: أحمد قدامة، قاموس الغذاء والتداوي بالنبات (موسوعة غذائية صحية عامة) ط2، دار النفائس، بيروت، لبنان، 1402هـ / 1982م، 408.

(11) صحيح البخاري، باب الحبة السوداء، 7/124. 

(12) ينظر: أحمد قدامة، قاموس الغذاء والتداوي بالنبات (موسوعة غذائية صحية عامة)، 165.

(13) عبد الباسط محمد السيد وعبد التواب عبد الله حسين، الموسوعة الأم للعلاج بالنباتات والأعشاب الطبية، دار ألفا للطبع والنشر، ط3، 1429هـ / 2008م، 432.

(14) ينظر: هشام مصطفى محمود وعبد الله علوان، وأسرار وفوائد حبة البركة، دار الصحابة للتراث، طنطا، مصر، 10. 

(15) صحيح البخاري، باب السواك يوم الجمعة، 2/ صحيح مسلم، باب السواك، 1/220، واللفظ للبخاري.

(16) ابن القيم، زاد المعاد في هدي خير العباد، 4/296.

(17) عبد الباسط محمد السيد وعبد التواب عبد الله حسين، الموسوعة الأم للعلاج بالنباتات والأعشاب الطبية، 534.

(18) صحيح البخاري، باب اللدود، 7/127. 

(19) لسان العرب، 7/315.

(20) المرجع السابق، 3/390.  

(21) ينظر: حسن أحمد الفكي، أحكام الأدوية في الشريعة الإسلامية، ط1، مكتبة دار المنهاج للنشر والتوزيع، الرياض، المملكة العربية السعودية، 1425 هـ ، 213.  

(22) ينظر: ابن حجر العسقلاني، فتح الباري شرح صحيح البخاري، دار المعرفة، بيروت، 1379هـ، رقَّم كتبه وأبوابه وأحاديثه: محمد فؤاد عبد الباقي، قام بإخراجه وصحَّحه وأشرف على طبعه: محب الدين الخطيب، وعليه تعليقات العلامة: عبد العزيز بن عبد الله بن باز، 10/168، ابن شرف النووي، المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج، ط2، دار إحياء التراث العربي، بيروت، لبنان، 1392هـ، 14/200.

(23) ينظر: سعدي أبو حبيب، القاموس الفقهي لغة واصطلاحا، ط2، دار الفكر، دمشق، سورية، 1408 هـ / 1988 م، 36-68.

(24) صحيح البخاري، باب المن شفاء للعين، 7/127، صحيح مسلم، باب فضل الكمأة ومداواة العين بها، 3/1619.

(25) ينظر: أحمد قدامة، قاموس الغذاء والتداوي بالنبات (موسوعة غذائية صحية عامة)، 603/604.

(26) صحيح مسلم، باب جواز مداواة المحرم عينيه، 2/863.

(27) ينظر: عبد الباسط محمد السيد وعبد التواب عبد الله حسين، الموسوعة الأم للعلاج بالنباتات والأعشاب الطبية، 145.

(28) صحيح البخاري، باب الدواء بالعجوة للسِّحر، 7/138.

(29) لفظ مسلم: «مَنْ تَصَبَّحَ بِسَبْعِ تَمَرَاتٍ عَجْوَةً، لَمْ يَضُرَّهُ ذَلِكَ الْيَوْمَ سُمٌّ، وَلَا سِحْرٌ» باب فضل تمر المدينة، 3/1618.

(30) ينظر: أحمد قدامة، قاموس الغذاء والتداوي بالنبات (موسوعة غذائية صحية عامة)، 115.

(31) صحيح البخاري، باب التلبينة للمريض، 7/124.

(32) ابن الجوزي، غريب الحديث، تحقيق: الدكتور عبد المعطي أمين القلعجي، ط1، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، 1405هـ1985م، 2/313.

(33) ينظر: عبد الكريم التاجوري، من هديه صلى الله عليه وسلم العلاج بالتلبينة (دقيق الشعير بنخالته) العصر للطباعة، 17/19.

(34) صحيح البخاري، باب الشفاء في ثلاث، 7/123.

(35) صحيح مسلم، باب لكل داء دواء واستحباب التداوي، 4/1731.

(36) حسن أحمد الفكي، أحكام الأدوية في الشريعة الإسلامية، 421.

(37) صحيح البخاري، باب الدواء بالعسل، 7/123.

(38) صحيح مسلم، باب حل أجرة الحجامة، 3/1204.

(39) الشيخ محمد أحمد بن عيسى، العلاج، بالحجامة وكاسات الهواء، 20.

(40) صحيح البخاري، باب الحمى من باب جهنم، 7/129، وصحيح مسلم، باب لكل داء دواء واستحباب التداوي، 4/1731.

(41) صحيح البخاري، باب استعمال إبل الصدقة وألبانها لأبناء السبيل، 2/130.

(42) ينظر: شهاب البدري يس، التَّداوي بألبان الإبل وأبوالها سنة نبوية ومعجزة طبية، 18، وفي مواضع أخرى من الكتاب لا مجال لبسط الحديث فيها.

(43) صحيح مسلم، باب الطب والمرض والرقى، 2/313.

(44) صحيح مسلم، باب رقية المريض بالمعوذات والنفث، 4/1723.

(45) حسن أحمد الفكي، أحكام الأدوية في الشريعة الإسلامية، 445، وهذا التعريف للرقى جامع مانع من وجهة نظري.  


شارك المقال مع أصدقائك

ما هو رد فعلك؟

أحببتها شكراً أحببتها شكراً
0
أحببتها شكراً
ناقشتم مشكلتي ناقشتم مشكلتي
0
ناقشتم مشكلتي
سأجرب العلاج سأجرب العلاج
0
سأجرب العلاج
لم تعجبني لم تعجبني
0
لم تعجبني
المادة ممتعة المادة ممتعة
0
المادة ممتعة
زدتم حيرتي زدتم حيرتي
0
زدتم حيرتي
لم استفد شيء لم استفد شيء
0
لم استفد شيء

0 تعليقات

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *